محمد علي الأشيقر

78

لمحات من تاريخ القرآن

وإني إذ أضم صوتي إلى هذه الفئة القليلة من الرواة والمؤرخين لأورد في أدناه وبتصرف بعض النقاط والأدلة الواردة في تعزيز هذا الرأي وتأييد هذا الاتجاه فأقول : ان البيئة الحجازية ولا سيما مكة المكرمة والمدينة المنورة كانت بيئة تجارية قبل كل شيء ( وفقا لما أشار إليه القرآن الكريم في سورة قريش ) ، وكانت هذه البيئة بحكم عملها وطبيعتها على اتصال وثيق ومستمر ماديا مع البلاد المجاورة وهي الشام واليمن والعراق والتي كانت على جانب لا بأس به من العلم والثقافة . . وكانت البيئة الحجازية أيضا تضم فئات وجاليات كتابية مسيحية ويهودية أصيلة ونازحة من البلاد المجاورة والتي كانت تتداول فيما بينها الكتب الدينية أو غير الدينية قراءة وكتابة . . فلا يتصور في كل هذه الحالات أن يبقى العرب في مكة والمدينة جامدين وغافلين عن اقتباس أصول القراءة والكتابة من هؤلاء لاستعمالها في معاملاتهم اليومية وحياتهم التجارية والتي لا يمكن تصور قيامها بدون كتابة أو تدوين ، ولاستعمالها أيضا في تسجيل معلقاتهم واشعارهم وأيامهم التي ملئت الخافقين وتحدث بها الركبان وسمعها القاصي والداني . . هذا من جهة ومن الجهة الأخرى فإن في القرآن آيات عديدة تشير إلى فضل العلم ومنزلة العلماء ودرجتهم وتطلب من سائر الناس تسجيل كافة المعاملات والتصرفات وكتابتها نقدا أو دينا صغيرة أو كبيرة ، فكيف تطلب هذه الآيات من الناس تحقيق كل ذلك دون وجود قسم من المتعلمين بين صفوفهم ودون وجود كتاب يكتبون ويدونون لأنفسهم أو عن الآخرين « 2 » . .

--> ( 2 ) القرآن المجيد - محمد عزة دروزة .